الشيخ محمد اليعقوبي
45
خطاب المرحلة
فغضب ثم قال : لا والله ، ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنتْ بي إذ كفر الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء « 1 » . وكانت متفهمة لسلوك زوجها ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتربية التي يمر بها استعداداً لحمل الأمانة الكبيرة ، فقد حُبب إليه الخلاء في غار حراء قبل البعثة بسنين ، فكانت ترعاه وتمده - وهكذا ينبغي لزوجات الرساليين أن يكنَّ متفهمات لمسؤوليات أزواجهنّ وراضيات بها ومتعاونات معهم - حتى بُعث بالنبوة في الأربعين من عمره ، فكانت أول من آمن به ، ولم تكن تحتاج إلى برهان ودليل على صدقه ؛ لأنها كانت ترى اجتماع أوصاف النبي المنتظر فيه ، بل أستطيع القول أنها تزوجته بعد أن توسمت فيه ذلك ، فرَجَتْ أن تنال هذا الشرف العظيم ، فشاء الله تعالى لها هذه المنزلة الرفيعة ، فزواجها منه كان مبنياً على هذا الهدف العظيم ، لا كما يصوره بعضهم من أنه ناشئ عن علاقة حب قبل الزواج ليبرر به العلاقات غير المشروعة والاختلاط غير الشريف . ولم يكن مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طوال سنين بعد النبوة إلا هي وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كما سجله الإمام ( عليه السلام ) في بعض كلماته في نهج البلاغة ، ففي كلمته التي يصف فيها موقعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أن قال ( وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أخْلاقِهِ ، وَيَأْمُرُني بِالإِقْتِدَاءِ بِهِ . وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ ، وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي ، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإسلام غَيْرَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا ، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ . ) « 2 » ، وهكذا بدأ الإسلام بهؤلاء الثلاثة .
--> ( 1 ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : 9 / 224 وغيرها من المصادر على تقارب بالألفاظ . ( 2 ) نهج البلاغة 2 / 157 .